يقف غوين داير (Gwynne Dyer) لكشف أسرار ظاهرة الإرهاب من النشوء والقوة والانتشار ومحاولة التعرف على أهدافها النهائية وأصولها الدينية ويوضح أسباب تحول العالم العربي أو الإس...  
الصفحة الرئيسية: النشاطات الصحفية 1/31/2011 
 فضل الله: لا مقدّس أمام النقد
 وعلينا ألاّ نستعبد عقولنا وأنفسنا لأحد
 

 

 

جريدة الأنوار/الإثنين 21 نيسان 2008-السنة 48-العدد 16785

 

استقبل العلامة السيد محمد حسين فضل الله وفداً من المركز الإسلامي الثقافي، والمكتبة العامة في جمعية المبرات الخيرية، لمناسبة أسبوع المطالعة برئاسة السيد شفيق الموسوي، وحضور أمناء المكتبة الذين وضعوه في أجواء عمل المكتبة التي تضمّ أكثر من 60 ألف كتاب، والتي من المفترض أن تحتوي زهاء مليون كتاب في المرحلة القادمة.

وألقى السيد فضل الله كلمة قال فيها: عندما ندرس حركة المستقبل في أنشطة الأمة بعامة، وفي تطلّعات الإسلام، فإننا نستوحي من القرآن الكريم في مفاهيمه التي تعبّر عنها آياته، أنه يخطط لصنع العقل الإنساني الذي ينفتح على آفاق المعرفة، معرفة الله، والخلق والكون... ومن خلاله نفهم كيف أنّ الله تعالى أعطى الحرية للعقل في أن يفكّر في كلّ شيء، فليست هناك مناطق ممنوعة عليه، وليست هناك عوالم مقفلة أمام تطلّعاته ولا مواقع يمكن أن يُحشر فيها... إننا نستوحي من القرآن الكريم أن هناك إصراراً على إقحام العقل في كلّ أوضاع الكون، فالعقل حرّ يأخذ حرّيته من الله الذي أوحى له بأن لا حدود لحركته وتفكيره، ولكن على الإنسان أن يتحمّل المسؤولية في ما يفكّر، ولا بدّ للإنسان من أن يقدّم حساب عقله أمام الله إلى جانب حسابات الجسد، إنّ للعقل شهادة يقدّمها أمام الله: كيف فكّر، وأيّ منهج سلك، وكيف استنتج، وما هي النتائج التي توصل إليها?
أضاف: إنّ العلم هو كنز من الكنوز الكبرى التي ينتجها العقل التأمّلي أو التجريبي، ومن هنا يأتي دور القراءة، القراءة في الكون. فالله أرادنا أن نقرأ في كتاب الكون حتى نستطيع أن نفهم الظواهر الكونية ولنحاول أن ننتج من خلال هذه القراءة إبداعاً جديداً من خلال هذا الانفتاح التدريجي على أسرار الكون... إنّ القراءة الواعية تعطينا وعي ما أنتجه الآخرون من خلال تجاربهم وتأمّلاتهم، ولا بدّ للقراءة من أن تكون واعية، علمية، ناقدة، لأنّ تجربة الآخرين ربما دفعت بهم إلى الانحراف في الاستنتاجات، أو ربما كانوا قد أخطأوا في تأمّلاتهم.


نرتقي بإبداع جديد
وتابع: إننا نحتاج في القراءة أن نستجمع كل ما انطلق به المبدعون، لا لنتجمّد أمام إبداعاتهم، ولكن لنحاول أن نرتقي في إبداع جديد، وأن ننفتح على ما انطلق به المفكّرون، لا لنتجمّد أمام ما أنتجوه ولكن لنصنع آفاقاً ثقافية جديدة، إنّ علينا أن نعدّ العدة ـ بحسب إمكاناتنا ـ لبناء أجيال جديدة تفكّر بطريقة علمية ونقدية وتضيف أشياء جديدة إلى تراث الآخرين وتنفتح من خلال ذلك على المستقبل، علينا ألاّ نقرأ القراءة الساذجة التي تستظهر ما تقرأ، بل القراءة العلمية التي تحاول أن تبدع. إنّ هناك من المفكّرين من يقول إنّ المسلمين قد توقّفوا عن إنتاج الفكر بعد ابن رشد وابن خلدون، ونحن نقول إنّ حركة الفكر الإسلامي لا تتوقّف، وقد نجد عمقاً في تجربة معينة وسطحاً في تجارب أخرى، ولكن الأمة لم تكف عن إنتاج المفكرين كصدر الدين الشيرازي وكالسيد محمد باقر الصدر وغيرهم في مصر وإيران ومواقع أخرى، ولكن المسألة أنّ تجارب الفكر تختلف...
أضاف: إنّ علينا أن نكفّ عن أن ننحني بعقولنا لأية جهة من الجهات مهما كبرت، أو أن نسلّم تسليماً مطلقاً لأية جهات قيادية سياسية كانت أم مرجعية، بل أن نعمل لاكتشاف نقاط الضعف في القيادات، ولا نكتفي عند التحديق في نقاط القوة الكامنة في شخصياتهم، وعلينا أن نعرف أنه لا مقدّس أمام النقد، فيمكن أن ننقد أعلى المرجعيات الدينية وأكبر المرجعيات الثقافية وأبرز المرجعيات السياسية... لقد خلق الله الإنسان حرّاً في عقله وعلمه وحركته، وعلينا أن لا نستعبد عقولنا وأنفسنا لأحد ولا نسترقّها أمام أحد، وعلى القيادات أن تتقبّل كلّ نقد علمي بنّاء ولا تهرب من مسؤولياتها أمامه... وعلينا أن نعرف أنّ الله وحده هو المعبود وأنه سيحاسبنا على تقصيرنا في مسألة الإحساس بالحرية، لنقدّم حساب الحرية بين يديه ليجزينا على ما أصبنا فيه ويحاسبنا على ما قصرنا فيه أيضاً.
وختم، مشيراً إلى أننا كنّا الأمة التي قرأت في كتب الأمم الأخرى وعملت على أن تثري الأمم الأخرى من خلال قراءتها، فلم تستأثر بنتائج العلم الذي أبدعته ولم تنكمش على نتائجها المبدعة، ولكننا نجد أنّ ثمة أمم قرأت في كتابنا وأبدعت عندما استفادت من حضارتنا لبناء حضارتها الحديثة، ولكنها تحاول الاستئثار في حركة الإبداع العلمي وتريد لنا أن نبقى سوقاً استهلاكية لمنتجاتها، حتى في الوقت الذي تصادر ثرواتنا وتستولي على أدمغتنا ومبدعينا، ولذلك فإنّ التحدي الكبير الذي ينتظرنا يكمن في قرارنا بأن نصرّ على الانضمام إلى قافلة المبدعين بين الأمم، لأننا إذا لم نسلك هذا السبيل فسوف نواصل السير انحداراً في متاهات التاريخ وغياهب المستقبل.

http://www.archive.alanwar.com/article.php?articleID=4629